أبي بكر جابر الجزائري

355

ايسر التفاسير لكلام العلى الكبير

عَيْلَةً : أي فقرا وفاقة وحاجة . معنى الآيات : لما حرم اللّه على المؤمنين موالاة الكافرين ولو كانوا اقرباءهم وحذرهم من القعود عن الهجرة والجهاد ، وكان الغالب فيمن يقعد عن ذلك إنما كان لجبنه وخوفه أخبرهم تعالى في هذه الآيات الثلاث أنه ناصرهم ومؤيدهم فلا يقعد بهم الجبن والخوف عن أداء الواجب من الهجرة والجهاد فقال تعالى لَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ فِي مَواطِنَ كَثِيرَةٍ « 1 » كبدر والنضير وقريظة والفتح وغيرها وَيَوْمَ حُنَيْنٍ « 2 » حين قاتلوا قبيلة هوازن مذكرا إياهم بهزيمة أصابت المؤمنين نتيجة خطأ من بعضهم وهو الاغترار بكثرة العدد إذ قال من قال منهم : لن نغلب اليوم من قلة إذ كانوا اثني عشر « 3 » ألفا وكان عدوهم أربعة آلاف فقط ، إنهم ما إن توغلوا بين جنبتي الوادي حتى رماهم العدو بوابل من النبل والسهام فلم يعرفوا كيف يتصرفون حتى ضاقت عليهم الأرض على سعتها وولوا مدبرين هاربين ولم يثبت إلا رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم وكان على بغلته البيضاء المسماة ( بالدلدل ) والعباس إلى جنبه وأبو سفيان بن الحارث بن عبد المطلب ابن عمه ، ثم نادى منادي رسول اللّه : أن يا أصحاب سورة البقرة هلموا أصحاب السمرة ( شجرة بيعة الرضوان ) هلموا . فتراجعوا إلى المعركة ودارت رحاها و أَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَأَنْزَلَ جُنُوداً تلامس القلوب وتنفخ فيها روح الشجاعة والصبر والثبات ، فصبروا وقاتلوا وما هي إلا ساعة وإذا بالعدو سبي بين أيديهم ولم يحصل لهم أن غنموا يوما مثل ما غنموا هذا اليوم إذ بلغ عدد الإبل اثني عشر ألف بعير ، ومن الغنم ما لا يحصى ولا يعد . بهذا جاء قوله تعالى : وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئاً وَضاقَتْ عَلَيْكُمُ الْأَرْضُ بِما رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ « 4 » أي هاربين من العدو ثُمَّ أَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَأَنْزَلَ جُنُوداً أي من الملائكة لَمْ تَرَوْها وَعَذَّبَ الَّذِينَ كَفَرُوا أي هوازن وَذلِكَ أي القتل والسبي جَزاءُ الْكافِرِينَ باللّه ورسوله .

--> ( 1 ) المواطن : جمع موطن وهو مكان التوطّن أي : الإقامة ويطلق على موضع الحرب وموقعها . ( 2 ) خص يوم حنين بالذكر لما وقع فيه من الهزيمة في أوّل المعركة . ( 3 ) عشرة آلاف من المهاجرين والأنصار وألفان من مسلمة الفتح وهم الطلقاء وهزموا من أجل قول بعضهم : لن نغلب اليوم عن قلة وهو ما يسمى بالعجب وهو محبط للعمل . ( 4 ) روى مسلم عن ابن إسحاق قال : جاء رجل إلى البراء فقال : أكنتم وليتم يوم حنين يا أبا عمارة ؟ فقال : أشهد على نبي اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ما ولى ولكنه انطلق أخفّاء من الناس وحسّر إلى هذا الحي من هوازن وهم قوم رماة فرموهم برشق من نبل كأنها رجل من جراد فانكشفوا فأقبل القوم إلى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم وأبو سفيان يقود به بغلته فنزل ودعا واستنصر وهو يقول : ( أنا النبي لا كذب أنا ابن عبد المطلب اللهم نزل نصرك ) قال البراء : كنا واللّه إذا احمرّ البأس نتقي به .